عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
382
اللباب في علوم الكتاب
فصل [ في معنى الآية : « جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ » ] المعنى أن الذين يقولون هذا القول جند هنالك و « ما » صلة مهزوم مغلوب من الأحزاب أي من جملة الأجناد ، يعني قريشا ، قال قتادة : أخبر اللّه تعالى نبيه - صلى اللّه عليه وسلم - وهو بمكة أنه سيزم جند المشركين فقال : سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ [ القمر : 45 ] فجاء تأويلها يوم بدر ، وهنالك إشارة إلى ( يوم ) « 1 » بدر ومصارعهم ، وقيل : يوم الخندق « 2 » . وقال ابن الخطيب : والأصح عندي حمله على يوم فتح مكة لأن المعنى أنهم جند سيصيرون منهزمين « 3 » في الموضع الذي ذكروا فيه هذه الكلمات وذلك الموضع هو مكة فوجب أن يكون المراد أنهم سيصيرون منهزمين في مكة وما ذاك إلا يوم الفتح . وقوله : « مِنَ الْأَحْزابِ » أي من جملة الأحزاب أي هم من القرون الماضية « 4 » الذين تحزّبوا وتجمعوا على الأنبياء بالتكذيب فقهروا وأهلكوا . قوله تعالى : [ سورة ص ( 38 ) : الآيات 12 إلى 17 ] كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ ( 12 ) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ أُولئِكَ الْأَحْزابُ ( 13 ) إِنْ كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ ( 14 ) وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ ( 15 ) وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ ( 16 ) اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ ( 17 ) ثم قال لنبيه - صلى اللّه عليه وسلم - معزيا له : « كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ » قال ابن عباس ومحمد بن كعب : ذو البناء المحكم ، وقيل : أراد ذو الملك الشديد الثابت « 5 » ، وقال القتيبيّ « 6 » : تقول العرب : هم في عزّ ثابت الأوتاد بريدون أنه دائم شديد ، وقال الضحاك : ذو القوة والبطش ، وقال عطية : ذو الجنود والجموع الكثيرة ، وسميت الأجناد أوتادا لكثرة المضارب التي كانوا يضربونها ويوتدونها « 7 » في أسفارهم . وهي رواية عطية العوفي عن ابن عباس يعني أنهم كانوا يقوون أمره ويشدون ملكه كما يقوي الوتد « 8 » الشيء . وهذه استعارة بليغة حيث شبه الملك ببيت الشّعر ، وبيت الشعر لا يثبت إلا بالأوتاد والأطناب « 9 » كما قال الأفوه الأودي : 4253 - والبيت لا يبتنى إلّا على عمد * ولا عماد إذا لم ترس أوتاد « 10 »
--> ( 1 ) سقط من ب . ( 2 ) وانظر : معالم التنزيل للبغوي 6 / 42 . ( 3 ) في ب : مهزومين وما هنا موافق للرازي . ( 4 ) في ب : العضاضية لحن وتحريف وانظر الرازي 26 / 181 . ( 5 ) البغوي 6 / 42 . ( 6 ) الغريب 377 . ( 7 ) كذا هي في البغوي وفي أهنا وما في ب يوقدونها . ( 8 ) معالم التنزيل للبغوي 6 / 42 . ( 9 ) قال في اللسان : « الطّنب والطّنب حبل الخباء والأطناب ما يشد به البيت من الحبال بين الأرض والطرائق » . اللسان ( طنب ) 2708 وانظر : الدر المصون 4 / 594 . ( 10 ) له من بحر البسيط وأتى به شاهدا على أن المعنوي شبه بالحسي عن طريق الاستعارة وعلى أن الجامع -